أدب وفن

الهروب إلى العدم

يمنات

روديجر هاينز

مقدمة
تختصر قصة “الهروب إلى العدم” مأساة جيل كامل ضاع بين طواحين الحرب العالمية الثانية. بطلنا “Hans”، الشاب الذي لم يتجاوز السابعة عشرة، يجد نفسه فارّاً ليس فقط من معسكرات الأسر، بل من قدرٍ لم يكتبه لنفسه. قصة تفيض بمرارة الجوع، صقيع الوحدة، والبحث المضني عن معنى للنهاية.

لم يتبقَّ شيء من طرف خبز كانت قد رمتْه له امرأة قروية عجوز فوق سياج المعسكر، وذلك منذ اليوم الثاني لهروبه. وفي النهاية، أخذ يفتش في جيب معطفه عن الفتات الصغيرة، يضعها في فمه على فترات متباعدة، ويتركها تذوب ببطء على لسانه.

كان ذلك يمنحه إحساسًا بوجود شيء يؤكل، ويغذي لديه وهم الشبع. أمّا العطش، فكان يطفئه بحفنة من الثلج. وبحلول اليوم الثالث من هروبه، لم يعد يعرف أين هو، ولا إلى أين ينبغي أن يذهب.

لم يكن Hans يريد سوى الابتعاد، الابتعاد قدر الإمكان عن ذلك المعسكر الذي سُجن فيه. كانت الحرب قد خُسرت، وكان يعلم ذلك حتى قبل أن يُجند. كان في السابعة عشرة من عمره، ويأمل أن تنتهي هذه الحرب سريعًا ليعود إلى منزله.

أرادوا إرساله مع سريته، التي جُمعت على عجل في كوبلنز (Koblenz)، إلى الجبهة الروسية. كان الجنود يدركون أنهم لن يعودوا من هناك.

تعرّض القطار الذي كان ينقلهم إلى مينسك للقصف من الطائرات المعادية. وسط امتداد لا نهائي من الأرض، تناثر حطام القطار المقصوف.

تصاعد الدخان إلى السماء، وامتزجت رائحة الفحم المحترق برائحة اللحم البشري المحترق للجنود الصارخين. فكّر Hans: “هكذا إذن تبدو الحرب.”

أُصيب خلال ذلك القصف، مما منحه أسبوعًا من الإجازة المنزلية. كانت والدته سعيدة لأن واحدًا على الأقل من أبنائها الثلاثة عاد، فقد ضاع إخوته في جبهات نورماندي وستالينغراد. بعد إجازته، قال لأمه عند الوداع: “أمي، عند أول فرصة تسنح لي، سأهرب منهم.”

لكن الفرصة لم تأتِ إلا بعد انتهاء كل شيء. سمع الناس يصرخون: “انتهت الحرب! انتهى كل شيء!”. أراد العودة إلى ديترسهايم (Dietersheim) ليعيش حياته الطبيعية، ليعمل في الحقول. لكن النهاية لم تكن تشبه شيئاً؛ البيوت مدمرة، والجثث تنشر رائحة التعفن فوق ركام الخراب.

وقع في أسر الأمريكيين عند بينغن (Bingen). لم يشفع له المنديل الأبيض الذي لوّح به، ولا صغر سنه. اقتادوه إلى معسكر أسر قرب بريتزنهايم (Bretzenheim). ومنذ اليوم الأول، كان يخطط للفرار.

كان الهروب أسهل مما ظن. في ليلة عيد الميلاد، اختبأ تحت شاحنة واجتاز بوابة المعسكر. سقط في الثلج، وبقي ساكناً، ثم صرخ في الليل: “أنا حر… أنا حر!”.

لكن البرد والجوع استنزفاه. في الليلة الثالثة، اختبأ في حظيرة منزل والديه، سمع صوت أمه في الصباح الباكر، لكنه آثر الرحيل خوفاً من الملاحقة. في 31 ديسمبر 1945، كان قد أمضى خمسة أيام في الهروب: من المعسكر، من الجوع، من البرد، ومن نفسه أيضًا.

وعند مرتفعات كنيسة روخوس (Rochuskapelle)، سمع دويًا قويًا. ارتمى في الخندق، وقلبه يخفق بعنف. ثم تكرر الصوت… حتى اختلط برنين الأجراس. فهم Hans الآن؛ انتهت الحرب… وانتهى العام أيضًا.

عام جديد يبدأ… وهو لا يزال لا يعرف إلى أين يذهب.

الخلاصة:
تنتهي قصة “هاينز” بصرخة صامتة؛ فالحرية التي نالها بطلنا كانت حرية في مهب الريح، حيث يقف الإنسان وحيداً أمام مستقبل مجهول، في وطن لم يعد كما كان.

زر الذهاب إلى الأعلى
Your request was blocked.